محمد الغزالي

263

فقه السيرة ( الغزالي )

من الأنصار ، فقاتل حتى قتل ! ثم رهقوه ، فقال : « من يردّهم عنّي وله الجنّة » فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أنصفنا أصحابنا » يعني من فرّوا وتركوه . وتركت هذه الاستماتة أثرها ، ففترت حدّة قريش في محاولة قتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم وثاب إليه أصحابه من كلّ ناحية ، وأخذوا يلمّون شملهم ، ويزيلون شعثهم . وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم صحبه أن ينزلوا قريشا من القمة التي احتلوها في الجبل قائلا : ليس لهم أن يعلونا ، فحصبوهم بالحجارة حتى أجلوهم عنها « 1 » . إن الإفلات من عواقب هذا الانكسار الشنيع عمل لا يقل - في خطره - عن الانتصار الأول ، وقد اتجه عزم الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى بذل كل جهد ممكن في سبيل مقاومة قريش ، حتى لا تظفر بشيء غنيمة باردة ، بل حتى تثقل بها مغارمها ، فلا تطمع في مزيد من إيذاء المسلمين ، فكان ينثل السهام من كنانته ، ويعطيها سعد بن أبي وقاص ويقول : « ارم فداك أبي وأمي » « 2 » . وكان أبو طلحة الأنصاري راميا ماهرا في إصابة الهدف ، قاتل دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان إذا رمى رفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه ، ويرفع أبو طلحة صدره قائلا : هكذا بأبي أنت وأمي ، لا يصيبك سهم ، نحري دون نحرك « 3 » ، ويقول : إني جلد يا رسول اللّه ، فوجهني في حوائجك ، ومرني بما شئت ! ! وقد نجح الرماة حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ردّ المشركين الذين حاولوا صعود الجبل ، وبذلك أمكن المسلمين الشاردين أن يلحقوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه . إلا أنّهم جاؤوا وكأنما خرجوا من عماية حتى إنّ بعضهم - من فرط الغيظ والذهول - قاتل أمامه لا يدري من يقاتل ، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة ، وصرخ حذيفة : أبي أبي ! دون جدوى . ولمّا تجمّعت فلول المسلمين بعد هذا الكرّ والفرّ ، كان الإعياء قد نال منهم

--> ( 1 ) هو من حديث السدي المتقدم . ( 2 ) رواه البخاري : 7 / 287 ، من حديث سعد . ( 3 ) رواه البخاري : 7 / 289 - 290 ، من حديث أنس ؛ وكذلك أخرجه أحمد : 3 / 105 ، 265 ، 286 ، وعنده في رواية قول أبي طلحة : « إني جلد . . . » .